خليل الصفدي
76
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
كان في صباه مغنّيا بالعود فلما التحى قال : كلّ غناء يخرج بين شارب ولحية ما يطرب ، فأعرض عن ذلك وأقبل على دراسة كتب الطبّ والفلسفة فقرأها قراءة متعقّب على مؤلّفيها فبلغ من معرفتها الغاية واعتقد صحيحها وعلّل سقيمها ، وصنّف في الطبّ كتبا كثيرة فمن ذلك « الحاوي » يدخل في مقدار ثلاثين مجلدة ، و « الجامع » و « كتاب الأعصاب » وهو أيضا كبير ، و « المنصوري المختصر » جمع فيه بين العلم والعمل يحتاج إليه كل أحد صنّفه لأبي صالح منصور ابن نوح أحد ملوك السامانية ، وغير ذلك ، ومن كلامه : إذا كان الطبيب عالما والمريض مطيعا فما أقلّ لبث العلّة ، ومنه : عالج في أول العلة بما لا يسقط به القوة ، ولم يزل رئيس هذا الشأن واشتغل به على كبر قيل إنه اشتغل فيه بعد الأربعين ، وطال عمره وعمي في آخر عمره ، واشتغل على الحكيم أبي الحسن علي بن ربّن الطبري صاحب التصانيف التي منها فردوس الحكمة وكان مسيحيا ثم أسلم ، وذكر أن سبب عماه أنه صنّف للملك منصور المذكور كتابا في الكيمياء فأعجبه ووصله بألف دينار وقال : أريد أن تخرج ما ذكرت من القوّة إلى الفعل ، فقال : إن ذلك مما يحتاج إلى مؤن وآلات وعقاقير صحيحة واحكام صنعة ، فقال له الملك : كلّ ما تريده أحضره إليك وأمدّك به ، فلما كعّ عن مباشرة ذلك وعمله فقال الملك : ما اعتقدت أن حكيما يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل بها قلوب الناس ويتعبهم فيما لا فائدة فيه والألف دينار لك صلة ولا بد من عقوبتك على تخليد الكذب في الكتب ، وأمر أن يضرب بالكتاب الذي عمله على رأسه إلى أن يقطّع فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء في عينيه ، وتوفي سنة إحدى عشرة وثلث مائة ، قال ابن أبي أصيبعة في « تاريخ الأطباء « 1 » » :
--> ( 1 ) 1 ص 314 .